أحمد بن محمد مسكويه الرازي
279
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
يحتشمنا في اظهار عيوبنا بل يتجاوز ما يعرف منا إلى التحرض والكذب فيها ، فلنتنبه على كثير من عيوبنا من جهتهم بل نتجاوز ذلك ، إلى أن نتهم نفوسنا بما ليس فيها . ولجالينوس أيضا مقالة يخبر « ان خيار الناس ينتفعون بأعدائهم » ، « 1 » وهذا صحيح لا يخالفه فيه أحد ، وذلك لما ذكرناه . فأمّا ما اختاره أبو يوسف بن إسحاق الكندي في ذلك فهو ما حكاه بألفاظه وهو هذا قال : « ينبغي لطالب الفضيلة لنفسه ان يتخذ صور جميع معارفه من الناس مرآة له ، تريه صور كل واحد منهم عندما تعرض له آلام الشهوات التي تثمر السيئات ، حتى لا يغيب عنه شيء من السيئات التي له . وذلك أنه يكون متفقدا سيّئات الناس ، فمتى رأى سيئة بادية من أحد ذم نفسه عليها كأنه هو فعلها ، وأكثر عتبه على نفسه من أجلها ويعرض عليها كل يوم وليلة جميع أفعاله حتى لا يشذ عنه شيء منها ، فإنه قبيح بنا ان نجتهد في حفظ ما نقضناه من الحجارة الدنيئة والأرمدة « 2 » الهامدة الغريبة منا التي لا ينقصنا عدمها البتة في كل يوم ، ولا نحفظ ما ينفق من ذواتنا التي بتوفيرها بقاؤنا ، وينقصها فناؤنا . فإذا وقفنا على سيّئة من افعالنا اشتد عزلنا لأنفسنا عليها ، ثم لنقيم عليها حدا نفرضه ولا نضيعه . وإذا تصفحنا افعال غيرنا ووجدنا فيها سيئة عاتبنا أيضا نفوسنا عليها ، فان نفوسنا ترتدع حينئذ عن المساوي وتألف الحسنات ، وتكون المساوي أبدا ببالنا لا ننساها ، ولا يأتي عليها زمان طويل فيعفى ذكرها . ولذلك ينبغي ان نعمل في الحسنات لنفرغ
--> ( 1 ) . عن الإمام علي عليه السّلام : « خذ الحكمة ولو من أفواه المنافقين » . وعنه أيضا : « الحكمة ضالة المؤمن » . ( 2 ) . الرمد ، رمدة ، من المياه الآجن ، الثياب الوسخة ، الرماد : ما يبقى من الموادّ المحترقة بعد احتراقها . يقصد هنا : الأوساخ المعنوية التي تصيب الإنسان .